ابن المقفع
110
آثار ابن المقفع
له الأسد : اصحبني والزمني فإني مكرمك ومحسن إليك . فدعا له الثور وأثنى عليه وانصرف . وقد أعجب به الأسد إعجابا شديدا لما ظهر له من عقله وأدبه . ثم إنه قربه وأكرمه وأنس به وائتمنه على أسراره وشاوره في أمره ولم تزده الأيام إلا عجبا به ورغبة فيه وتقريبا له حتى صار أخص أصحابه عنده منزلة . فلما رأى دمنة أن الثور قد اختص بالأسد دونه ودون أصحابه ، وأنه قد صار صاحب رأيه وخلواته ولهوه ، حسده حسدا عظيما وبلغ منه غيظه كل مبلغ . فشكا ذلك إلى أخيه كليلة وقال له : ألا تعجب يا أخي ، من عجز رأيي وصنعي بنفسي ونظري فيما ينفع الأسد ، وأغفلت نفع نفسي حتى جلبت إلى الأسد ثورا غلبني على منزلتي ! قال كليلة : قد أصابك ما أصاب الناسك . قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟ قال كليلة : زعموا أن ناسكا أصاب « 1 » من بعض الملوك كسوة فاخرة . فبصر به سارق فطمع في الثياب وعمل على سرقتها . فأتى الناسك وقال له : إني أريد أن أصحبك فاتعلم منك وآخذ عنك . فأذن له الناسك في صحبته ، فصحبته متشبها به ورفق « 2 » له في خدمته حتى أمنه الناسك واطمأن إليه . فرصده « 3 » حتى إذا ظفر به وأمكنته الفرصة أخذ تلك الثياب فذهب بها . فلما فقد الناسك ثيابه علم أن صاحبه قد أخذها فتوجه في طلبه . فمر في طريقه بوعلين « 4 » يتناطحان حتى سالت دماؤهما . فجاء ثعلب يلغ « 5 » في تلك الدماء ويتحكك بهما ويزاحمهما فغضبا منه وأقبلا عليه بنطاحهما فقتلاه . فعجب الناسك من ذلك ومضى حتى دخل إحدى المدن فلم يجد فيها قرى « 6 » إلا بيت امرأة فنزل بها واستضافها « 7 » .
--> ( 1 ) أصاب : نال . ( 2 ) رق : لان ولطف . ( 3 ) رصده : ترقبه . ( 4 ) الوعل : تيس الجبل . ( 5 ) يلغ : يشرب بلسانه كالكلب . ( 6 ) قرى : ضيافة . ( 7 ) استضافها : طلب منها أن تضيفه .